الشيخ الأميني
195
الغدير
هو في كل ذلك يعترف بالخطيئة ويلتزم بالإقلاع عنها ، لكنه سرعان ما نكث التوبة وأبطل المواثيق المؤكدة بكتبه هذه ، إذ حسب أن من يكتب إليهم سينفرون إليه مقانب وكتائب وهم أولياءه ومواليه ، فنفى عنه المآثم التي شهد عليها أهل المدينة بل وأهل الأمصار من خيرة الأمة ، وهو يريد أن يقلب عليهم ظهر المجن ، فيؤاخذ وينتقم وكأنه نسي ذلك كله حتى قال : في كتابه إلى أهل مكة : لا أدعى إلى توبة أقبلها ، ولا تسمع مني حجة أقولها : يقول له المحامي عن المدنيين : أو لم تدع أيها الخليفة إلى التوبة فتبت على الأعواد وعلى رؤس الاشهاد مرة بعد أخرى ؟ لكنهم وجدوك لا تقر على قرار ، ولا تستمر على مبدء ، وشاهدوك تتلون تلون الحرباء ( 1 ) فجزموا بأن التوبة لا تردعك عن الأحداث ، وأن النزوع لا يزعك عن الخطايا ، وجئت تماطل القوم بذلك كله حتى يوافيك جيوشك فتهلك الحرث والنسل ، وتمكن من أهل دار الهجرة مثل يزيد بن كرز الذي يقول : لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها محتلما إلا قتلته . الخ ، عرف القوم أيها الخليفة نواياك السيئة فيهم ، وعرفوا انحرافك عن الطريقة المثلى بإبعاد مروان إياك عنها كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو يخاطبك : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك ؟ وإن مثلك مثل الظعينة يقاد حيث يسار به ( 2 ) فنهضوا للدفع عنهم وعن بيضة الاسلام من قبل أن يقعوا بين الناب والمخلب ، فوقع ما وقع وكان أمر الله قدرا مقدورا . ولنا هاهنا مناقشة أخرى في حساب الخليفة فنقول له : ما بالك تكر رأيها الخليفة قولك عن الخلافة : إنها رداء الله الذي كساني . أو إنها قميص سربلنيه الله . أو ما يماثل ذلك ؟ تطفح به كتبك أو يطفو على خطبتك ، ويلوكها فمك بين كلمك ، كأنك قد حفظتها كلمة ناجعة لدينك ودنياك ، واتخذتها وردا لك كأنك تحاذر في تركها النسيان غير أنه عزب عنك محاسبة من تخاطبهم بها إياك ، فما جواب قومك إن قالوا لك ؟ متى سربلك الله بهذا القميص ؟ وقد مات من سربلك ، وانقلب عليك بعد قبل موته
--> ( 1 ) الحرباء : ضرب من الزحافات تتلون في الشمس ألوانا مختلفة ، يضرب بها المثل في المنقلب ( 2 ) راجع ما مر في صفحة 174 ، 175 من هذا الجزء .